سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
225
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
على أن صاحب السيادة الشرعية « السلطان » في رضاء عن تصرفها ! بهذا فاز الإنجليز واستقرت أقدامهم . أما وقد مضى الزمان الكافي لظهور غدرهم وسوء نيتهم فلا أظن أنه يوجد من المصريين من يميل إليهم ، بل لا يوجد إلا من يبغضهم ويتمنى فناءهم ويودلو يعمل عملا لهلاكهم ! ولكن « الوهم » يجسم المخافة ويكبح العزيمة ، إن أهالي مصر كأنهم ذهلوا عن الأسباب التي مكنت الإنجليز من بلادهم . كأنهم يظنون أن المصريين كانوا على كلمة واحدة في مدافعة الإنجليز ثم تغلبت عليهم القوة الإنجليزية وقهرتهم جميعاً . « كأن المصريين نسوا ما كان بينهم وأن الإنجليز ما دخلوا بلادهم إلا بمعونتهم ولتأييد خديويهم المنصوب بفرمان من سلطانهم ، هذا هو الوهم العجيب ! إن الذين كانوا سبباً في تغلب العساكر الإنجليزية وحلولها في وادي النيل ، وأنه لولا هم ما استقر لها قدم فيه ، يظنون الأن أن تلك العساكر قادرة على قهر الأهالي عموماً وإخضاعهم لحكومة بريطانيا ، كلا ثم كلا وأن بهذا الظن الباطل يستسلمون لأعدائهم كرهاً ويجارونهم في أهوائهم نفاقاً . ولا أدل على سوء نوايا الإنجليز وسوء تدبيرهم وتحويل سعادة ما يحتلونه من البلاد إلى شقاء من النظر إلى مصر بعد أن فوضت إلى نابغة الدهر محمد علي باشا ، ثم إلى ما حل فيها من البلاء والشقاء بفضل الإنجليز في سنين قليلة بعد احتلالهم مصر عقب ثورة « عرابي » . « فالنسبة بين العملين موجودة معكوسة ؛ وذلك أن مصر بعد ما فوضت أمورها إلى محمد علي باشا ، لم يمض قليل من الزمن حتى دخلت في طور جديد من أطوار المدنية وظهر فيها شكل من الحكومة النظامية وتقدمت فيه على جميع الممالك الشرقية بلا استثناء . « نعم نالت مصر في عهد ذاك الرجل العظيم وعهد خلفائه من بعده ما كانت تقف دونه أفكار المفكرين ، طرقت أبواب السعادة من كل وجه فتقدمت فيها الزراعة تقدماً غريباً واتسعت دائرة التجارة وعمرت معاهد العلم وانتشرت في أرجائها مبادئ المعارف الصحيحة وتقاربت أنحاؤها واتصلت أطرافها بما أنشىء فيها من سكك الحديد وخطوط التلغراف وتعارفت أهاليها وائتلفوا وقوي فيهم معنى الإخوة الوطنية وتواصلوا في المعاملات وتشاركوا في المنافع واعتدلت المشارب